أحمد بن محمد المقري التلمساني

277

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

كلّ مخلّى للذي يختاره * في الأمن من ناه له أو زاجر « 1 » ما إن لهم شغل بفنّ واحد * بل كلّ ما يجري بوفق الخاطر شدو ورقص واقتطاف فكاهة * وتعانق وتغامز بنواظر وهم كما تدري بأفقي أنجم * لكن لنا شوق لبدر زاهر سيدي ، لا زلت متقدّما لكل مكرمة ! هل يجمل التخلّف عن ناد قام فيه السرور على ساق ، وضحك فيه الأنس بملء فيه ، وانسدل به ستر الصون ، وفاء عليه ظلّ النعيم ، وسفرت فيه وجوه الطرب ، وركضت خيل اللهو ، وثار قتام الند « 2 » ، وهطلت سحاب ماء الورد ، وجليت الكؤوس « 3 » ، كالعرائس على كراسي العروس ، المثقلة بالعاج والآبنوس ، وكأنّ قطع النهار ممتزجة بقطع الظلام ، أو بني حام قد خالطت بني سام وعلى رؤوس الأقداح ، تيجان نظمها امتزاج الماء بالراح « 4 » ، فطورا تستحيي « 5 » فيبدو خجلها ، وطورا تمتزج فيظهر وجلها ، والعود ترجمان المسرّة قد جعلته أمّه في حجرها ، كولد ترضعه بدرّها ، وساقي الشّرب كالغصن الرطيب ، أوراقه أردية الشرب ، وأزهاره الكؤوس ، التي لا تزال تطلع وتغرب كالشموس ، ساق يفهم بالإشارة ، حلو الشمائل عذب العبارة ، ذو طرف سقيم ، وخدّ كأنه من خفره لطيم ، ولدينا من أصناف الفواكه والأزاهر ، ما يحار فيه الناظر ، وهل تكمل لذة دون إحضار خدود الورد ، وعيون النرجس ، وأصداغ الآس ، ونهود السفرجل ، وقدود قصب السكر ، ومباسم قلوب الجوز ، وسرر التفاح ، ورضاب ابنة العنب ؟ فقد اكتمل بهذه الأوصاف المختلسة من أوصاف الحبائب الطرب : [ الطويل ] فطر بجناح الشوق عند وصولها * إليك ولا تجعل سواك جوابها فلا عين إلّا وهي ترنو بطرفها * إليك فيسّر في المطال حسابها فقد أصبحت تعلو عليها غشاوة * لبعدك فاكشف عن سناها ضبابها قال أبو جعفر : فجعلت وصولي جواب ما نظم ونثر ، وألفيت الحالة يقصر عن خبرها

--> ( 1 ) مخلّى : متروك . ( 2 ) القتام : الغبار ، وهنا الدخان . والند : عود يتبخر به . ( 3 ) في ب ، ه : « وطيبت الكؤوس » . ( 4 ) الراح : الخمر . ( 5 ) في ه : « يستحسن » . وما أثبتناه من أ ، ب ، ج وهو أفضل .